إدريس أحمد
hamada.d.1968@gmail.com
Blog Contributor since:
11 June 2019



Arab Times Blogs
كفى ترهيباً للخلائق مِن خالقٍ إسمه الرحمان !

« لا أدري لماذا لا يطير العباد إلى ربِّهم على أجنحة من الشَّوْق بدل أنْ يُساقوا إليه بِسِياط من الرهبة ؟ إنَّ () البشر لن يجدوا أبرَّ بهم و لا أحنى عليهم من الله - عز و جل. » (محمد الغزالي، "جدِّد حياتك"، 1962)


رسالة المسلم الأساسية في الوجود هي تعريف و تحبيب الخالق إلى الخلق لا ترهيبهم دون كلل أو ملل من أهوال النار و عذاب القبر !

بالتأكيد لا قيمة للعناوين عندما تنمحي المضامين العناوين الدينية أقصد و التي لا اختيارَ إرادياً حقيقياً فيها للبشر، عدا أفراد قِلة سمحت ظروفهم بذلك و مِن هذه الأخيرة أنهم وُلدوا في بيئات تكفُل حرية الإعتقاد و تمنح للجميع إمكانية البحث الهادئ و الإطلاع و الدراسة الموضوعية لِكُل الفلسفات و العقائد، و لا تُكلَّف نفس إلاَّ وسعها كما هو مقرَّر بهذه العبارة في القرآن : "لا يُكلِّف الله نفساً إلاَّ وُسعَها".

أنا على يقين كامل بأن الذين شرَّفوا إنسانِيَّتهم من أهل الخير أياً كانوا سيلقون جزاءً حسناً في اليوم الآخر، لأن رب العالَمين شكور حليم عادل كريم شفوق و مُحال عليه أن يُضيع أجر المحسنين الطيِّبين الصادقين. الخطأ قد يَصدُر بطبيعة الحال من أهل الخير و الإحسان، و رُبَّما يكون في مجال الإعتقاد و عُذر الجميع في ذلك أنَّ ملاك الوحي لم يتجلَّ لِكل إنسان لِيُخاطِبَه بِلُغتِه الأم، الخطأ الذي يَقعُ من هؤلاء سيُقابِلُه بالتأكيد عَفوُ الرحمان : "ليس عليكم جُناح فيما أخطأتم به و لكِن ما تعمَّدت قلوبُكم و كان الله غفوراً رحيماً" (قرآن). لا أتصوَّر على الإطلاق أن الله سيُؤاخذ فاعلاً للخير ـ ما زاره ملاك من السماء و لا تلقى خطاباً مباشراً من الله ـ لِمُجَرَّدِ أن مُعتقده بخصوص الله قد يكون غير مُوَفَّق

نعم بعضُ فاعلي الخير و تاركي الشر أنكروا وجود الخالق و لَكِنْ ليس جحوداً مِنهم أو استِكباراً، و إنما لأسباب يَجِب التَّمَعُّن فيها مَلِياً و أخذُها على مَحْمَل الجِدِّ - على رأسِها حجمُ معاناة الكثير مِن المخلوقات آدمِيَّة كانت أم لا -، سَيُجادل هؤلاء عن أنفسِهم يوم يَمثُلون بين يدي هذا الخالق و سيحكم فيهم بِعدله و برحمتِه أيضاً : "يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها و تُوَفى كل نفسٍ ما عمِلت و هم لا يُظلمون" (قرآن). إذاً كُل شخص سَيُجادِل عن نفسِه بين يدي الرب، و الظلم مُنعدِم تماماً في المحكمة الإلهية ؛ و لا جدوى مِن التباهي بالعناوين الدينية، لأن كُلَّ واحدٍ منا سيُحاسَب على أفعالِه و حسب. العِبرة عند ذوي الرَّشاد بزكاة القلب و شرف المبادئ و نُبل الغاية و السعي للخير و صلاح العمل، الكافر هو فقط الشخص صاحبُ الإرادة السيئة أو الشخص معدوم الضَّمير، و كلُّ ذلك في القرآن و لَكِنْ مَن يَتدبَّرُ بِعُمق و بِعقلٍ مُتحرِّر مِن وِصاية أيِّ مَخلوق هذا الكتاب الفذ ؟

القرآن الكريم نَعَتَ مَن لا يَستحِق الجنة بأوصاف أذكرُ مِنها ما يلي : "منَّاع لِلخير"، "يَدُع اليتيم و لا يَحُض على طعام المِسكين"، "مُعتد أثيم". الكافِرُ المَلوم المَمْقوت في القرآن تِلْك بعضُ ميزاتِه و خِصاله، و في الأمة المُسماة إسلامية التي أنتسب إليها أُطلِقت هذه الصفة على جميع المُغايرين في المُعتقد بلا تمييز، أبراراً أكانوا أم أشراراً و بالتالي ساوينا بَيْنَ الخبيث و الطَّيب. و القرآن يُعلن بوضوح كامل : "لا يستوي الخبيث و الطَّيب". و هو يَعِدُ أهل البِر و الإحسان، كُلَّهم دون استثناء، بالإحسان من إِلَهٍ لا يظلم أحداً : "هل جزاء الإِحسان إلاَّ الإحسان ؟". هذا كلام من سَمَّى نفسَه الرحمان ـ و هي إحدى دُرَر سورة الرحمان ! فالذي بِكُلِّ ما في وُسعِه يَجْتنبُ السوء و يسعى للخير، مِن إلهٍ عادِلٍ سمَّى نفسه بالشكور كيف لا يلقى الخير ؟ و الذي يرحم من في الأرض، كيف لا يرحمه من في السماء ؟

نحن أمة رسولها وُصِف بأنه بُعث رحمة للخلق كافة و هذا يعني أن الرحماء كُلَّهم لهم أجر و قدر جليل عند الله و مع ذلك ما تَورَّع العديد من مرشدينا الدِّينيين عن تلقيننا شيئاً في غاية الفظاعة : لقد لقَّنونا و غرسوا في أذهانِنا أنَّ الخيرَ الذي يفعله في هذه الدنيا غيرُنا - و لو كان إيجادَ علاج لِداءٍ فتَّاك أو مشروعاً ما ينفعُ خَلْقاً كثيراً، و لو كان إطعامَ سُكانِ قارَّةٍ بكاملها أو حتى إنقاذَ كافة الكائِنات - لن يُجديهم شيئاً في الآخرة فهُوَ حَسَب زعمِهم لا قيمة له في ميزان ربِّنا. أهذه هي البشارة الكبرى التي جاء بها للأنام خيرُ الأنام مِن عِند واجِب الوجود و واهِب الحياة ؟ ثُم تجدهم بعد ذلك في غاية الحسرة و الألم لأنَّ أغلب مُوَاطني العالَم لم يفهموا و لم يكتشفوا حتى الآن أن سعادة الدنيا و الآخرة لن ينالَها إلاَّ مَن إعتنق هذا الهبل… هذه مِن ضِمن الأفكار و المعتقدات التي نتوارثها على مَرِّ الأجيال و التي يستحيل أن يقوم عليها مجتمع سوي.

وجيه و ذو كرامة عند الله كلُّ إنسان يسعى للخير. و لا ضَيْر إن لم يُكتب له الظَّفَر لحظة مجيئه إلى هذه الدنيا بعنواننا الديني - الذي وُلدنا عليه و لكِنْ قليلون مِنَّا مَن يرتقون إلى مُستوى معناه و مُحتواه… المجرم الشِّرير الذي قد يكون شيخاً مُعمَّماً هو آخِر مَن يستحق تسمِيَّة مسلم. و هو مَن يقول - إن مات على هذه الحال - غداً يوم القيامة : "يا لَيتني كُنت تُراباً" (قرآن). الله، الذي خلقنا لِيَبلُوَنا أيُّنا أحسنُ عملاً كما هو منصوص عليه حرفياً في القرآن، قال : "أفنجعل المسلمين كالمجرمين ؟ ما لَكُم كيف تحكمون ؟". هذا ما يُقرِّرُه أيضاً القرآنُ الكريم.

و إن في الظاهرة الطبية المعروفة اليوم تحت إسم تجربة الإقتراب من الموت ـ لا حصر للدراسات و الأبحاث حولها - لَذِكرى لِمَن فتح لها بابَ عقلِه و أصغى لِلذين عاشوها هنا و هناك بِسَمْع القلب. لِيَعلمْ الموشك على مفارقة الحياة الدنيا أنه لن يَجِد في انتظاره وحشاً رهيباً سادِياً عديم الإحساس، و لكِنْ رباً مُتفهِّماً حِلمُه أكبر من غضبِه كما أخبر هُداة الإنسانية، أمَّا ما ورد في القرآن من وعيد شديد بنار حامية، فإن الغاية منه ردعُ العُتاة و إيقاظُ القلوب النائمة، و ليس أنْ يُزرَع في أذهاننا أنَّ إلهنا أقسى من كبار جلادي الإنسانية، لأن العقوبة في الدار الآخرة هي لِلَّذي يستحقها فعلاً و لا أرى أنها تتعارض مع رحمة الخالق.

فالرحمة الربانية التي وَسِعت كل شيء، كما ذكر القرآن، ستشمل بطريقة أو بأخرى جميعَ الخلق. تأكيداً لهذه الرؤية نَجِد أنَّ القرآن، في مَعرِض الحديث عن الرجوع الحتمي إلى الخالق، يُؤكِّد أنَّنا جميعاً سنُلاقي الرحمان : "إنْ كُل مَن في السماوات و الأرض إلاَّ آتي الرحمان عبداً". لقد وجدتُ في تجارِب الإقتراب من الموت التي عاشها خَلقٌ كثيرون من مُختلِف الأعمار و الأوطان و الأجناس - و الثقافات و المُعتقدات - مُحفِّزاً لإرتقاء نوعي بفلسفتنا و خطاباتنا الدينية لتَكون أكثر تسامُحاً و رأفة و إنسانية و زرعاً للأمل في النفوس. لذا أنصح بالإطلاع الجاد على هذا الموضوع المُثير و الهام للغاية، الذي ما زال عندنا مُحاطاً - إلى حدٍ ما - بجدار سميك من الصَّمت، لِكَي نظل في هلعٍ و خوفٍ و جزعٍ من عذاب القبر إلى يوم القيامة : كفى ترهيباً للعباد مِن خالقٍ إسمه الرحمان !

و الحق أن الواقع أثبت فشل كُلِّ محاولاتِ سَوْقِ العباد إلى ربِّهم و بارِئهم بهذا الأسلوب، بالترهيب منه بَدَلَ التشويق إليه، و خطابُ التخويف مِمَّا سَيَعْقُبُ موت الجسد فقد فاعِلِيَّته و قدرته على التأثير في النفوس. إنَّ الموت ما هو إلاَّ ولادة جديدة و لَكِنْ في عالَم الروح و انتِقالٌ إلى مرحلةٍ تالِيةٍ في سِياقِ وجودٍ لامُنقطع مُنتهاهُ عند الله. الله الذي مِن دون أدنى شك و بالتأكيد هو أرحمُ بكثير مِما يتصوَّر المؤمنون

أهل الإحسان و الإرادة الخَيِّرة الطيِّبة و الساعون للإصلاح في الأرض لا خوف عليهم البتَّة عند الله، يوم يقِفُ الجميع بين يديه فينفعُ الصادقين صِدْقُهم، من بين هؤلاء أناس نُسمِّيهم بمنتهى الوقاحة "كفاراً" و نَحْن دونهم وعياً و خدمةً للغير و استقامة، و يَمحقُ الكاذبين كِذْبُهم أياً كان في هذه الحياة مَقامُهم، حتى لو كانوا فيها مُبجَّلين كرجال دين و ربما أدعياء وصاية خاصة على ضمائر العباد بإسم الله.

أوصلتني إلى هذه القناعة مُعايشةُ بشر مِن أصول و مشارب ثقافية شتَّى و أما مَن أحسبه مُخطِئاً في مسألة الإعتقاد و إن أنكر وجودَ خالق للكون، فأنا لا أُعطي لنفسي الحق في أن أُشكِّك في نزاهته العقلية و أحكُم عليه و أقولَ له أنت كافر و مصيرك النار يوم القيامة، بل أترك ذلك للذي يعلم ظروف كل إنسان و المُؤثِّرات التي تعرض لها في مختلف مراحل حياته و بَواطِنَه و نواياه و بواعثَه الحقيقية، لا سِيَّما و أن مِن أعظم و أخطر أسباب هجرِ و تطليق بشرٍ كثيرين جداً للدين الدجالُون مِمَّن نصَّبوا نُفوسَهم وُكلاء عن خالق الكون.


« إذا لم تَكُن، أيها المسلم، في قلبك و فكرك و عملك، رحمة للعالَمين، فأنت على طريق غير طريق رسولك محمد - صلَّى الله عليه و سلَّم -، فقد قال له ربه الذي أرسله : "و ما أرسلناك إلاَّ رحمة للعالَمين". » (عصام العطار)


https://www.youtube.com/watch?v=cRy4e-hgbx4







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز