كمال محمد
kamel.mebarkia@rwth-aachen.de
Blog Contributor since:
19 June 2020



Arab Times Blogs
الذكاء الإصطناعي و الطبقية الذكائية Intelligence stratification

يعد الذكاء الإصطناعي Artificial intelligence  على رأس إهتمامات الدول المتقدمة لما له من مزايا يصعب حصرها في مقال كهذا. فالذكاء الإصطناعي مجال جد حيوي من مجالات علوم الحاسوب. إذ يُعنى بإنشاء و تصميم أنظمة و أجهزة و آلات ذكية من شأنها تحقيق وظائف ذكية لا يقوم بها إلا البشر حيث يفوق أداءها، في كثير من الأحاين، أداء البشر في الدقة و السرعة. و إذ يُعرّف الذكاء البشري (Human intelligence) بأنه المقدرة على إيجاد الحلول لمشكلات تتعرض للإنسان في بيئته المتغيرة بمهارة  و فعالية و ذالك  عن طريق معالجة المعلومة في إطار الخبرة المكتسبة. و ما الذكاء الإصطناعي في نهاية المطاف إلا محاولة لمحاكاة سلوك البشر عن طريق خوارزمياتAlgorithms  تعمتد على الرياضيات من  منطق رياضي و جبر خطي، و أنظمة الخبرة Expert systems ، و معالجة اللغة NLP، و الرؤية الذكية Artificial vision  ، و معالجة الإشارة و الصورة. و يعد التعلم الألي Machine learning من أهم فروع الذكاء الإصطناعي إذ عن طريقه يمكن تعليم آلة بإستعمال معطيات و خِبرات سابقة و يعد التعلّم العميق Deep learning من  بين أهم ما توصل إليه الذكاء الإصطناعي الحديث في مجال التعلّم الآلي.

فلنأخذ مثالا على أنظمة الذكاء الإصطناعي: السيارة ذاتية القيادة. هذه سيارة ذكية لأنه يمكنها أن توصلك إلى وجهتك دون تدخل من البشر! فما عليك إلا التكلّم معها عن الوجهة، فتفهمك بعد معالجة اللغة، بل و يمكنها طرح أسئلة إضافية كي تأخذها في الحسبان. فتنطلق بمهارة و دقة عالية مستعملة مصورات أمامية و خلفية تمكّنها من رؤية البيئة المتغيرة و مجسات متعددة لتحسس المتغيرات البيئية. هذه سيارة لا يمكن أن تصطدم بسيارة أخرى أو بإنسان أو بحيوان فهي تعرف كل شيئ يتحرك على الطريق بإستعمال خوارزميات الرؤية الذكية التي تعتمد بدورها على معالجة الصور. فهي تحترم إشارات المرور و ممر المشاة و تجس الطريق أهو مبلل أم جاف. بالإضافة إلى إحاطتها بالسيارة نفسها من مراقبة حالة المحرك كحرارته و مستوى الزيت به و حالة العجلات. فهذا سلوك (القيادة الذاتية) لا يقدر عليه إلا البشر و من ثم، كل آلة تحاكي سلوك البشر فهي ذكية ذكاءا إصطناعيا كنظام ترجمة اللغات على هاتفك المحمول الذكي. و قد تستغرب أن هناك مصانع ذاتية فارغة كليا من البشر تقوم بصناعة السيارات حيث يأتي صاحب المصنع ليجد 40 سيارة جديدة مصطفة كل مساء من دون تدخل أي بشر! فقط رجال آليين لا يتضاحكون فيما بينهم! و هنا نرى قوة الذكاء الإصطناعي أهميتا و خطرا. و إن تطبيقاته لا تنحصر في الصناعة و الحروب و الطب و الإقتصاد و الطاقة و الحياة الإجتماعية كالمدن و المنازل الذكية و الثلاجة و التلفاز و الساعة الذكية و لا في علوم الإنسان مستقبلا.

و لمّا كان لهذا الذكاء الإصطناعي أثر كبير على حياة البشر، نشهد عدة دراسات معمقة تبحث في مدى و كيفية تأثيره على سلوك البشر و حياتهم الإجتماعية و خاصة ما تعلق بذكاء البشر أنفسهم. أيمكن للذكاء الإصطناعي الذي هو حصيلة جهود ذكاء البشر أن يأثر على ذكاءهم  هم أنفسهم؟  فخطر الذكاء الإصطناعي على البشر يكمن في تغيير نمط حياة و سلوك البشر و ذكاءهم البيولوجي و ليس الخطر من أنّ الآلة الذكية يمكنها أن تتحكم يوما ما في البشر كما تُصوّره بعض أفلام الخيال. فهذا محال إذ يمكن جعل الآلة الذكية هامدة بكبسة زر واحدة: زر قطع الطاقة.

إنّ العقل الذي لا يفكر يتبلّد، و إنّ العضلات التي لا تعمل تخمل، و إنّ الإنسان الذي لا يتعرض للمحن و التجارب لا يتعلّم. فذكاء الإنسان يتطور مع التجارب و يتنقّح بنتاجات سلوكه اليومي إذ يقيس نتائج سلوكه و أفعاله باستمرار لدى محاولته تعقب المشاكل و بالتالي يُغيّر من السلوك و الفعل لتصبح مخرجاتهما أحسن و هكذا يتنمى ذكائه. ليس هناك أدنى شك من أنّ الإنتشار الواسع للذكاء الإصطناعي في المجتمعات البشرية بعد غزوها سيقلّص من مستوى تدخل البشر سواءا ميكانيكيا أو ذهنيا. حينئذ لن يعيش الإنسان تجارب تمكّنه من التفكير لأنّ كل المشاكل أو قلْ أكثر المشاكل التي كان لابد أنّ يتعرّض لها على مدى عمره قد حُلّت، فيتبلّد عقله على مرور السنين و هو مخدوم من طرف الذكاء الإصطناعي! ستكون أقصى تدخلاته ميكانيكية بتزويد أنظمة و آلات الذكاء الإصطناعي  بالطاقة كحرصه على شحن هاتفه الذكي بالكهرباء.

إنّ ما نخشاه هو أن تصبح لدينا ، على مرّ السنين، مجتمعات مستهلكة للذكاء الإصطناعي غبية غاية ذكاءها أن تفهم كيف تعمل الآلات الذكية بطريقة ميكانيكية بليدة و مجتمعات جد ذكية متحكّمة في الذكاء الإصطناعي إلى درجة معرفة خصوصيات البشر الأغبياء بكل تفاصيلها عن طريق مِشباك الأشياء Internet of things الذي يعملون على تطويره ليصبح متاحا لكل البشر كما أتيح المِشباك لكل البشر لنفس الغاية: تحكم طبقة البشر الأذكياء في طبقة البشر الأغبياء و هذا ما نسميه بالطبقية الذكائية Intelligence stratification. هذه الطبقية في الذكاء ستدوم كما تدوم الطبقية الإجتماعية لإستحكام الأنظمة الرأسمالية، و برامج المدارس التربوية و الأدب و الفن الموجهين و  نمطية الإعلام فكلٌ يحافظ و يعزز هذه الطبقية الإجتماعية. إنّ إستمرار الطبقية الذكائية ،إذا إستفحلت،  سيكون أسهل من إستمرار الطبقية الإجتماعية، ذالك بأن الغباء لا يمكنه أن يرى الذكاء بالطبيعة، و من ثم، فإن الطبقة الغبية هي التي ستحافظ على طبقة الأذكياء و هذا قمة الذكاء.

و عليه وجب على كل المجتمعات البشرية التحكّم في الذكاء الإصطناعي و تطويره كي لا يخضع إنسان لإنسان و تصبح غاية الأول الكبس على الأزرار فتمتلئ بنوك الأغنياء فيزدادون ذكاءا. إذا كان على الذكاء الإصطناعي الإنتشار، فلابد أن ينتشر في كل البشرية  بنفس الزخم حتى يتنمى الذكاء البشري عن طريق المنافسة و تصبح مشاكل الذكاء الإصطناعي في حد ذاتها مُحرّكة و مُحفزة و مُطوّرة للذكاء البشري فلا يتبلّد. أما إذا إستمر الذكاء الإصطناعي مُستقطَبا بين دول بعينها فسوف تؤول البشرية حتما إلى أخطر طبقية ستعرفها البشرية لا قدّر الله، إنّها الطبقية الذكائية التي ستحمل بذور إستمرارها في ذاتها إذ لا يرى الغبي أبدا الذكي ،كما يرى الفقير الغني بوضوح عند الطبقية الإجتماعية. 






تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز