موسى الرضا
moussa11@gmx.net
Blog Contributor since:
18 July 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
حديث المبشرين العشرة : من صك سياسي نافذ الى لوحة فنية تراثية

هذا البحث هدفه تسليط الضوء على الاغراض الوظيفية للنص الحديثي التابع  والمبرر والشريك في صياغة ألاحداث السياسية الكبرى للتاريخ الاسلامي. ترى من كان أولا, البناء أم الخرائط؟ هل تأسست دولة الخلافة على معطى حديثي مؤطر ضمن أسس ومبادئ واضحة؟ أم أن الحديث ظهراستلحاقيا للقيام بمهمة محددة ألا وهي إنتاج نص تبريري تمجيدي لرجالات تلك الدولة وللدول التي ورثتها وقامت على حطامها؟   التفتيش عن إجابة جعلت من حديث العشرة المبشرين بالجنة نموذجا  إشكاليا مثاليا ومثلا محوريا تدور حوله الدراسة.

ورغم أن هذا الحديث ظل مثار جدل دائم كونه ضعيف غير متفق عليه إلا ان ذلك لم يفقده أهميته بالنسبة الى أهداف البحث فاللوحة القديمة صحيحة  كانت ام مزيفة ستتضمن في الحالتين معلومات مهمة عن تقنيات التزييف ودوافع الفنان الذي صنع المشهد. لعل حديث العشرة أحد أهم الأدلة على مادية التاريخ الاسلامي الذي لم يتأسس على القرآن والسنة, وإنما  على تقاطع مصالح وعصبيات قبلية تكرست لاحقا بالشرعية الدينية بالقهروالإكراه, والمفارقة هنا, هي أن تلك الشرعية الدينية جاءت من خارج النص الديني. انتشار الحديث النبوي الشفهي بعد زوال الدولة الراشدة تم توظيفه سريعا ليكون بخدمة أصحاب الحل والعقد واعتبارهم بناة الحضارة الاسلامية واعتمادهم نموذجا فريدا طوال اربعة عشرقرنا ولم يصبح الحديث النبوي علما قائما بذاته إلا في منتصف القرن الثاني للهجرة. وبما أن القرآن مقفل صعب الإسقاط على شخص أو حدث معين فإن النتاج الحديثي المستجد  شكلّ حلا سحريا للرواة ونبعا لا ينضب لتبادل المنافع مع أهل السلطة واسباغ الشرعية الدينية على الدول وأصحاب الغلبة بالسيف. واستمر ذلك النبع في التدفق عبر السنين حتى بلغ ثمانمائة ألف حديث نبوي مزعوم شغلت المصنفين في  تدوينها وغربلتها تضعيفا وتصحيحا لقرون عديدة.

رواية العشرة المبشرة عالجتها هذه الدراسة بالفحص والوصف وتناولت أشخاصها ورواة متنها وسندها من خلال التقنيات والضوابط الحديثية التقليدية حيث استعملت المصادرالاساسية والكتب التراثية كالصحاح والاسانيد وغيرها. وقد استلهمت الفلسفة الهرمنوطيقية اثناء التسلسل البحثي بطريقة  الفيلسوف الالماني جادامار لا كمنهج صارم وإنما كمساحة فلسفية متاحة لرسم الاحداث وتكملة النقائص في اللوحة  بالخطوط والنقاط المحتملة أملا  باستنطاقها وتركها تتحدث عن نفسها بنفسها.

 يستفاد مما تقدم بأن عصبية السلطة  كانت دوما الحصان الذي يجر عربة التاريخ الاسلامي منذ ما بعد غياب الرسول أي منذ  اجتماع بعض الصحابة وبعض الانصار في سقيفة بني ساعدة. ذلك الاجتماع حسم الامر لصالح الهوية القرشية للدولة فأصبحت قريش  قطب الرحى لسائر قبائل العرب.  كان قرار إعادة تدوين الحديث  في زمن الخليفة الاموي عمر بن عبد العزيز أي بعد 120 سنة من الهجرة لا يقل غرابة عن  قرار منع التدوين في عهد ابي بكر. فالتدوين ومنعه كلاهما حصلا في خدمة السلطة الجديدة التي بدأت  قرشية واستمرت كذلك مع الامويين والعباسيين والفاطميين إلى أن انتهت تحت سنابك خيل هولاكو في بغداد.  ستتعاظم الشكوك حول حديث العشرة المبشرين بوصفه منتجا دنيويا وضع  بالتكافل والتضامن بين البورجوازيات القرشية الصاعدة وبين المقدسين من طبقة الرواة ورجال الدين وسعيهم معا على تأبيد سلطة قريش وإعتبارها شرطا أساسيا لطلاب الحكم في أي زمان ومكان.  ولطالما شكل حديث العشرة صكا سياسيا حصريا حوى جميع العائلات القرشية من خلال الخلفاء الراشدين الاربعة واعضاء الشورى الستة.  وظل الانتساب الى قريش شرطا لازما لشرعية الحاكم المسلم حتى عام 1258 للميلاد. بعدها توالى الحكام التتار والسلاجقة المماليك والعثمانيون دون ان يسألهم أحد عن أصلهم وعن نسبهم, هنا انفصل الحصان عن العربة  وفقد حديث العشرة وظائفه ومضامينه السياسية وتحول الى مادة رومانسية دينية لم يبقى منها سوى أسماء عشرة رجال ضمتهم لوحة فنية تراثية تزين المساجد في اسطنبول وفي سائر بلدان العالم الاسلامي.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز